السيد صادق الموسوي
125
تمام نهج البلاغة
ألَوْاَنهِِ ، وَلَا يَقَعُ لَوْنٌ في غَيْرِ مكَاَنهِِ . وَإِذَا تَصَفَّحْتَ شَعْرَةً مِنْ شَعَرَاتِ قصَبَهِِ أَرَتْكَ تَارَةً حُمْرَةً وَرْدِيَّةً ، وَتَارَةً خُضْرَةً زَبَرْجَدِيَّةً ، وَأَحْيَاناً صُفْرَةً عَسْجَدِيَّةً . فَكَيْفَ تَصِلُ إِلى صِفَةِ هذَا عَمَائِقُ الْفِطَنِ ، أَوْ تبَلْغُهُُ قَرَائِحُ الْعُقُولِ ، أَوْ تَسْتَنْظِمُ وصَفْهَُ أَقْوَالُ الْوَاصِفينَ ، وَأَقَلُّ أجَزْاَئهِِ قَدْ أَعْجَزَ الأَوْهَامَ أَنْ تدُرْكِهَُ ، وَالأَلْسِنَةَ أَنْ تصَفِهَُ . فَسُبْحَانَ الَّذي بَهَرَ الْعُقُولَ عَنْ وَصْفِ خَلْقٍ جلَاّهُ لِلْعُيُونِ ، فأَدَرْكَتَهُْ مَحْدُوداً مُكَوَّناً ، وَمُؤَلَّفاً مُلَوَّناً ، وَأَعْجَزَ الأَلْسُنَ عَنْ تَلْخيصِ صفِتَهِِ ، وَقَعَدَ بِهَا عَنْ تَأْدِيَةِ نعَتْهِِ . وَسُبْحَانَ مَنْ أَدْمَجَ قَوَائِمَ الذَّرَّةِ ، وَالْهَمَجَةِ إِلى مَا فَوْقِهِمَا مِنْ خَلْقِ الْحيتَانِ وَالْفِيَلَةِ ، وَوَأى عَلى نفَسْهِِ أَنْ لَا يَضْطَرِبَ شَبَحٌ مِمّا أَوْلَجَ فيهِ الرُّوحَ ، إِلّا وَجَعَلَ الْحِمَامَ موَعْدِهَُ ، وَالْفَنَاءَ غاَيتَهَُ . فَلَوْ رَمَيْتَ بِبَصَرِ قَلْبِكَ نَحْوَ مَا يُوصَفُ لَكَ مِنْهَا لَعَزَفَتْ نَفْسُكَ عَنْ بَدَائِعِ مَا أُخْرِجَ إِلَى الدُّنْيَا مِنْ شَهَوَاتِهَا وَلَذّاتِهَا ، وَزَخَارِفِ مَنَاظِرِهَا ، وَلَذَهِلَتْ بِالْفِكْرِ فِي اصْطِفَاقِ ( 1 ) أَشْجَارٍ غُيِّبَتْ عُرُوقُهَا في كُتْبَانِ الْمِسْكِ عَلى سَوَاحِلِ أَنْهَارِهَا ، وَفي تَعْليقِ كَبَائِسِ اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ في عَسَاليجِهَا وَأَفْنَانِهَا ، وَطُلُوعِ تِلْكَ الثِّمَارِ مُخْتَلِفَةً في غُلَفِ أَكْمَامِهَا ، تُجْنى مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ فَتَأْتي عَلى مُنْيَةِ مُجْتَنيهَا ، وَيُطَافُ عَلى نُزّالِهَا في أَفْنِيَةِ قُصُورِهَا بِالأَعْسَالِ الْمُصَفَّقَةِ ، وَالْخُمُورِ الْمُرَوَّقَةِ . قَوْمٌ لَمْ تَزَلِ الْكَرَامَةُ تَتَمَادى بِهِمْ ، حَتّى حَلُّوَا دَارَ الْقَرَارِ ، وَأَمِنُوا نُقْلَةَ الأَسْفَارِ . فَلَوْ شَغَلْتَ قَلْبَكَ ، أَيُّهَا الْمُسْتَمِعُ ، بِالْوُصُولِ إِلى مَا يَهْجُمُ عَلَيْكَ مِنْ تِلْكَ الْمَنَاظِرِ الْمُونِقَةِ ، لَزَهَقَتْ نَفْسُكَ شَوْقاً إِلَيْهَا ، وَلَتَحَمَّلْتَ مِنْ مَجْلِسي هذَا إِلى مُجَاوَرَةِ أَهْلِ الْقُبُورِ اسْتِعْجَالًا بِهَا . جَعَلَنَا اللّهُ وَإِيّاكُمْ مِمَّنْ يَسْعى ( 2 ) بقِلَبْهِِ إِلى مَنَازِلِ الأَبْرَارِ برِحَمْتَهِِ .
--> ( 1 ) - اصطفاف . ورد في متن شرح ابن أبي الحديد ( طبعة دار الأندلس ) ج 2 ص 487 . وهامش مصادر نهج البلاغة ج 2 ص 398 . ( 2 ) - سعى . ورد في نسخة الآملي 143 . ونسخة ابن أبي المحاسن ص 202 . ومتن منهاج البراعة ج 10 ص 64 . ونسخة عبده ص 361 .